ترجمة

الأربعاء، 25 يونيو 2008

حمرة الخجل..(الحياء).


أحبائى..

دعوة طيبة ومباركة أطلقها الأستاذالدكتور/ محمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر بغرض عودة الحياء إلى مجتمعنا الإنسانى وخاصة المجتمع المسلم ومشاركة منى أتحدث اليوم عن الحياء...

والحياء شعبة من الإيمان كما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم وليس معقولا أن يكون شعبة من شعب الإيمان ويكون مذموما فى الرجل بل كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءا من العذراء فى خدرها ومع ذلك كان شجاعا وجريئا فى الحق قولا وفعلا وهكذا كان صحابته..أما عن ما يذمه الناس من ضعف فى شخصية الرجل فليس حياءا أو خجلا وإنما إنكسار ووهن وضعف أو إن شئت فقل جبن (حب الدنيا وكراهية الموت) كما تنبأ بذلك سيد الخلق صلى الله علية وسلم ...

وإذا كان الخجل أو الحياء أمرا محمودا فى الرجل والمرأة وهو زينة المرأة بحق وخلق للرجل وشعبة من شعب الإيمان فإن ذلك يدعونا للتفرقة بين قلة الأدب والتجرء على الكبير والعالم ومن قبل الدين وبين الشجاعة فى قول الحق والأمر بالعروف والنهى عن المنكر ..فإذا كان الفارق بين العبقرية والجنون شعرة العقل والإتزان فإن الفارق بين الحرية والإباحية شعرة التدين والإلتزام...والفارق بين الحياء والوهن التخلق بالإيمان قولا وعملا...

وإليكم الحياء كما عرّفه الشرع والتزم به المسلمون فى هذه العجالة والتى هى بعض من فيض العلماء وجهود المخلصين:-

فقد دعا الإسلام إلى أخلاق فاضلة ، وآداب سامية ، تسمو بالإنسان وتُزكِّي روحه .. ومن جملة هذه الأخلاق : خلق الحياء .

والحياء : خلق حميد يبعث على ترك القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق .(( شرح النووي على صحيح مسلم : 2/6 ))

وللحياء فضائل عديدة ، دلت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عليها ، فمن ذلك :

أنه خيرٌ كلُّه ، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((الحياء لا يأتي إلا بخير )) ((أخرجاه في الصحيحين ))وقال : ((الحياء كله خير )) ((صحيح مسلم ))وهو من الأخلاق التي يحبها الله ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم :(( إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر والحياء )) ((سنن أبي داود والنسائي )).والحياء من الإيمان ، وكلما ازداد منه صاحبه ازداد إيمانه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان)) ((أخرجاه في الصحيحين )).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((دعه فإن الحياء من الإيمان)) ((أخرجاه في الصحيحين))وهو خلق الإسلام ؛ لقول سيِّد الأنام عليه الصلاة والسلام : (( إنَّ لكل دين خلقاً ، وخلق الإسلام الحياء )) ((موطأ مالك ، وسنن ابن ماجه ))والحياء يحمل على الاستقامة على الطاعة ، وعلى ترك المعصية ونبذ طريقها ، وهل أدل على ذلك من قول نبينا صلى الله عليه وسلم : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت)) ((صحيح البخاري ))وإنَّ من أعظم فضائله أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار)) ((الترمذي)) والبذاء ضد الحياء ، فهو جرأة في فُحشٍ ، والجفاء ضد البر .أيها المؤمنون :إن أحق من يُستحى منه الله تعالى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :((فالله أحق أن يُستحيا منه )) ((الترمذي)) . وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الحياء من الله ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((استحيوا من الله حق الحياء)). قلنا : يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله . قال :((ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)). ((الترمذي))وهذا الحديث دليل على ما سبق ذكره ؛ من أن الحياء يصد عن قبيح الفعال وذميم الصفات .

اعلموا -عبادَ الله-

أنه ليس من الحياء أن يسكت الإنسان على الباطل ، ليس منه أن تُعَطل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهذا جبن وخور وضعف ، وليس من الحياء في شيء ، قال النووي رحمه الله :" وأما كون الحياء خيراً كله ولا يأتي إلا بخير فقد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجلُّه ، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق ، وغير ذلك مما هو معروف في العادة . وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة ؛ منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة ، بل هو عجز وخور ومهانة ، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف ، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء ". ((شرح النووي على صحيح مسلم : 2/5))ولذا مما تنزه الله عنه الاستحياء من الحق مع أنه موصوف بالحياء كما سيأتي ، قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَ } ((سورة البقرة ، الآية :26)) ، وسببها أن المنافقين لما ضرب الله مثلهم {كمثل الذي استوقد نار } ، وقوله :{أو كصيب من السماء } قالوا : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ! فأنزل الله الآية . ((تفسير الطبري : 1/177)) وقال سبحانه :{ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } ((سورة الأحزاب : 53)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :(( إن الله لا يستحيي من الحق)) ((سنن الترمذي))وليس من الحياء أن يمتنع الإنسان من السؤال عن أمور دينه ، فالحياء يبعث على الخير ولا يصد عنه .ولذا مدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بقولها :" رحم الله نساء الأنصار ، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ". ((صحيح مسلم)) .

وجاء إليها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال : يَا أُمَّاهْ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ ؟ فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ . قُلْتُ : فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ؟ قَالَتْ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :(( إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)) ((صحيح مسلم)).

وجاءت أم سُليم رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلةً : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :((إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ)) ((أخرجه الشيخان))فإذا لم يقدر الإنسان على السؤال لعذر يقتضي الحياء فعليه أن يُرسل من يسأل له ، أو يهاتف الشيخ، أو يراسله ، فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ؛ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ :((يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)) ((أخرجه الشيخان))فاحذر – رعاك الله – من أن يصدك الشيطان عن سبيل العلم وسؤال أهله بإيهامك أن هذا من الحياء، واجعل قول إمامنا مجاهد رحمه الله منك على بال " اثنان لا يتعلمان : حيي ومستكبر ".

عباد الله :

إنَّ الحياء صفة من صفات الله رب العالمين ، والملائكة والمرسلين ، وصالح المؤمنين ، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه بذلك فقال :((إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم ، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين )) ((سنن أبي داود ، والترمذي ، وابن ماجه)) ، وكل صفة وصف الله بها نفسَه وقامت الأدلة على وصف العباد بها فلا تظنن أن ذلك يعني مشابهة الله لخلقه – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – قال تعالى :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ((سورة الشورى : 11)) ، فالفرق بين صفاتنا وصفاته كالفرق بين ذاتنا وذاته .وقول النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان رضي الله عنه ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)) ((صحيح مسلم)) دليل على اتصاف الملائكة به ، وهو خلق الأنبياء ، فقد جاء عن خاتمهم صلى الله عليه وسلم :(( أربع من سنن المرسلين : الحياء ، والتعطر ، والسواك ، والنكاح )) . ((سنن الترمذي)) وقال أبو سعيد رضي الله عنه ينعت نبينا صلى الله عليه وسلم : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها".(( أخرجه الشيخان)) وهو خلق المؤمنين الصادقين ، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يُذكِّر النبي صلى الله عليه وسلم الأمةَ بمناقبه فيقول:((وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ )) ((أحمد والترمذي وابن ماجه)) . ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه – وفيهم ابن عمر - :((إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ)) ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي ، قَالَ ابن عمر : وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ ، ثُمَّ قَالُوا : حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ :((هِيَ النَّخْلَةُ)). ((أخرجه الشيخان)) والحياء من الأخلاق التي كانت تُعرف في الجاهلية :فإن أبا سفيان لما كان على الإشراك سأله هرقل أسئلة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهى الكلام بينهما قال أبو سفيان : "والله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت " . ((أخرجه الشيخان))وفي غزوة حنين تبع أبو موسى الأشعري أحد الكفار فولى هارباً ، فقال له أبو موسى رضي الله عنه :" ألا تستحي ؟! ألست عربياً ؟! ألا تثبت ؟!" فوقف وتقالا فقتله أبو موسى .(( أخرجه مسلم))وأولى الناس بخلق الحياء النساء ، وقد خلَّد القرآن الكريم ذكر امرأة من أهل هذا الخلق ، قال الله عنها :{ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ((سورة القصص ، الآية : 25)).فهذه الآية تدل على حياء تلك المرأة من وجهين :الأول : جاءت إليه تمشي على استحياء بلا تبذل ، ولا تبجح ، ولا إغواء .الثاني : كلماتها التي خاطبت بها موسى عليه السلام ، إذ أبانت مرادها بعبارة قصيرة واضحة في مدلولها ، من غير أن تسترسل في الحديث والحوار معه وهذا من إيحاء الفطر النظيفة السليمة والنفوس المستقيمة .

ولا يدري من وقف على أحداث هذه القصة التي جرت لنبي الله وكليمه موسى عليه السلام أيعجب من حياء المرأة أم من حيائه عليه السلام ؛ فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" جاءتْ واضعةً يدَها على وجهها ، فقام معها موسى وقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك فإنا لا ننظر في أدبار النساء " ((مستدرك الحاكم :2/441 ، برقم : 3530)) وإن تعجب من هذه المرأة فعجب أمر فاطمة رضي الله عنها التي حملها الحياء على أن تقول لأسماء بنت أبي بكر : يا أسماء إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء ؛ أنه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها . فقالت أسماء : يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريكِ شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً ، فقالت فاطمة رضي الله عنها : ما أحسن هذا وأجمله ، يُعرف به الرجل من المرأة ، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ولا تدخلي علي أحداً . فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء : لا تدخلي . فشكت لأبي بكر فقالت : إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس ! فجاء أبو بكر فوقف على الباب وقال : يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يدخلن على ابنته ، وجعلت لها مثل هودج العروس ؟ فقالت : أمرتني أن لا أدخل عليها أحداً وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها . فقال أبو بكر : فاصنعي ما أمرتك . ثم انصرف ، وغسلها علي وأسماء رضي الله عنهما . ((سنن البيهقي : 4/34))لله درها ! ما أكمل حياءها !! وليس هذا مما يُستغرب منها فهي من قد عرفنا .

يا أيها المؤمنون :

إن لغياب الحياء عن ساحاتنا لمظاهرَ وخيمةً ، وإن من أقبحها سيادة الفحش والعري والتفسخ ، وقد علمت أثر الحياء في التستر والاحتشام ، قال الله تعالى في ذكر قصة آدم عليه السلام :{ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } (الأعراف: 22)ومما وُصف به موسى عليه السلام أنه ((كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيء ؛ استحياءً منه)). ((صحيح البخاري)) ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه عثمان وكان بعضُ فخذيه بادياً سوَّى ثيابه . ((أخرجه مسلم))إن الحياء خلق رفيع لا يكون إلا عند من عَزَّ عنصره ، ونَبُل خلقه ، وكَرُم أصله .

ولله در القائل:
إذا قلَّ ماءُ الوجْهِ قلَّ حياؤه

ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه

حياءَك فاحفظه عليـك فإنما

يدل على وجه الكريم حياؤه..

وقال آخر:

إذا لـم تَخْــشَ عاقبـة اللَّـيـالي

ولـم تَسْتَحْي فـاصنـعْ مـا تـشــاءُ

فـلا واللـه مـا فـي الْعَيْشِ خيــرٌ

ولا الدنيا إذا ذهـــب الحيـــــاءُ

اللهم حبب إلينا هذا الخلق وزينه في نفوسنا ، اللهم آت نفوسنا تقواها ...

علم اليقين!!!!!!!



أحبائى..

رغبة فى إستكمال ما بدأته وانتهاءا منه أضع لكم اليوم مقالة أجمل ماكتب عن علم اليقين الأزلى" فى الدنيا والآخرة "ولعلها تكون بداية لفهم واضح ودافعا للعمل من أجل تحقيق الغاية والهدف الذى من أجله خلق الإنسان الذى حمل الأمانة ( إنه كان ظلوما جهولا )صدق الله العظيم..



أسرار الكون بين علم اليقين وعين اليقين

وإعجاز قول رب العالمين
بقلم المهندس محمد ترياقي
مقدمة
سأل أحد الطلاّب أحد الفيزيائيين سؤال ظنّه الكل أنّه سخيف، قائلا: " ماذا سيحدث للأرض لو قام كل سكانها بالقفز مرّة واحدة و في لحظة مشتركة من مشرق الأرض إلى مغربها ؟ "
(1) فرّد الفيزيائي ضاحكا: " لن يحدث للأرض و لا للجبال أي شيء حتى و لو كان عدد القافزين عليها هو عشرة أضعاف معمريها اليوم !"
(2) ولقد أبكاني هذا الأمر أكثر مما أضحك عالم الفيزياء هذا ومن معه عندما أيقنت أنّ حجمنا نحن البشر كالعدم أمام قوة العزيز الجبار و عظمة هذا الكون، و راح أستاذ الفيزياء هذا - دون أن يعلم- يبرهن بدليل المنطق و الحساب عظمة وقدرة الرحمن و مبرزا لنا عجز وضعف الإنسان.
فلو افترضنا أن معدل وزن كلّ واحد من البشر هو 100 كيلوجرام فستكون كتلة سكان المعمورة هي 000 000 000 600 كيلوجرام، و علما أنّ الكتلة الإجمالية للكوكبنا الأخضر تقدّر ب : 000 000 000 000 000 000 000 972 5 كيلوجرام...
(3)، فإن نسبة كتلة كل البشر إلى نسبة كتلة كوكبهم ستكون حسابيا : 01 000 000 000 000 ، 0 % ! و بلغة الإحصاء نقول أنّ كتلتنا نحن الآدميون تؤول إلى الصفر أمام الأرض التي نعمّرها ! بل تؤول إلى العدم المحض أمام هذا العدد الهائل من ملايين الميليارات من الأجرام السماوية من نجوم و كواكب و غيرها، وصدق ربنا إذ قال: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ غافر (آية:57)
و لو أردنا مثلا أن نقيس كمية الطاقة التي ستنتُج من قفز ستة ملايير من البشر من علوّ متر في لحظة واحدة فإننا نجد أن الطاقة الناتجة تقارب 6000 مليار جول...
(4) وهي طاقة لا تساوي شيء مقارنة بالطاقات التي تنتجها الظواهر الطبيعية عند حدوثها، كالصواعق والزلازل و ثوران البراكين و الأعاصير والإنجرافات وغيرها، فمعدل الطاقة الناتجة مثلا من جرّاء حدوث زلزال متوسط تقدر ب: 000 000 000 000 000 000 100 مليار جول !
وراح أستاذ الفيزياء يؤكد أن القفزة البشرية لا يمكنها أن تُحدث و لو نسمة من ريح ولا من شأنها أن تنتج أدنى هزّة أرضية ! ورحت أتلو قول باسط الأرض وخالق والإنس والجان من سورة الإسراء : ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾ الإسراء (آية:37).
إن حجم كوكبنا الأرضي أمام حجم الكون كله وما يحتويه من آلاف المليارت من المجرّات هو كمثل حجم حبّة رمل في وسط كل رمال الصحاري و شواطئ البحار وأعماقها وأضعافها وأضعاف أضعافها ! فإذا كان هذا هو حجم ملايير البشر أمام الأرض (كما سبق تبيانه في النسبة أعلاه) فكيف بحال كل فرد منّا أمام حجم الكون كلّه؟! بل كيف بحجم كلّ نفس بشرية أمام خالقها و خالق كل شيئ؟!
فحجم الدنيا كلها ( النشأة الأولى بما يحتويه كل الكون) عند خالقها لم ترتقي حتى إلى وزن جناح بعوضة، فكيف هو حجم الأرض عند خالقها إذا؟! بل كيف بحال الخلق عليها و حجمهم عنده ؟! و الله لن يضروا الله شيئ حتى و لو قفزوا برّمتهم جاهرين بكفرهم و إلحادهم ! بل لا يضرّونه شيء حتى و إن قفزوا من بداية الدنيا إلى نهايتها بإنّسهم وجنّهم صغيرهم وكبيرهم، ذكورهم و إناثهم ! و كيف يضرّونه سبحانه بكفرهم وعصيانهم ولا يوجد موضع أربع أصابع
(5) في كلّ هذا الكون العظيم إلا و ملك ساجد أو راكعا يسبّحون بحمد ربهم و يستغفرون دون أن يستكبرون لحظة ! هذا فضلا عن تسبيح النجوم والأجرام نفسها وصدق الله العظيم إذ قال: ﴿ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ النحل (آية:49).و يكفي أن نطابق عدد المجرات و ما تحويها من ملايين الملايير من الكواكب و النجوم بعدد الملائكة الراكعين المسبحين لكي نعلم أنّه لا يمكننا أن ندرك عدد من لا يستكبر من مخلوقات الله ! و هل أحصينا عدد حبّات الرمال في كوكبنا العدم أو عدد خلايا أجسامنا حتى نحصي ما لا يقدر على إحصائه إلاّ الله ؟!
ويكفي أيضا أن نطابق عدد البشر وحجمهم بعدد النجوم و الكواكب و حجمها لكي ندرك أنّنا مقصرين في سجودنا لله، و كيف لا و عندما يسجد الواحد منّا يكون قد سبقه في سجوده هذا ما يزيد عن مئة ألف مليون مليار نجم
(6)، وصدق العزيز الجبار إذ قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ الحج (آية:18) . و في نفس السياق نقول: لن ينفع البشر الله سبحانه حتى و لو سجدوا له جميعا من أولّ الخلق إلى آخر البعث سجدة رجل واحد، و كيف لهم أن ينفعوه سبحانه و هو بارؤهم غنيّ عنهم أوجدهم من العدم ثم اسكنهم في كوكب بحجم العدم ! كوكب في مجموعة شمسية حجمها ليس أكبر من العدم ! و مجموعة شمسية في مجرّة يؤول حجمها، أمام ما يزيد عن 500 مليار مجرة
(7) ، إلى العدم ! ثم يميتهم ثم يحييهم، ثم إما جنّة عرضها كعرض السماء والأرض وإما ناراً تكون شمسناً التي نراها اليوم كمثابة جمرة من جمارها !

الشمس، أكبر النجوم في مجرتنا، العمر:4.5 مليار سنة ، حجمها = 333 حجم الأرض ، كثافته 92.1% هيدروجين، 7.8% هليوم، درجة الحراة :15600000 درجة مئوية.......(8)
و الله كما لو أننا نرى الجنّة و رياضها بعرضها و سعتها، و كما لو أننا نرى هول جهنّم و حفرها من قبل يوم القيامة ! أليست الشمس بدليل الحسابات الرياضية و صور التليسكوبات الفلكية هي 333 مرّة حجم الأرض ؟! فماذا عن حجم البشر أمامها؟ بل ماذا لو سألنا أستاذ الفيزياء هذا عن ماذا سيحدث للشمس لو قفز كل البشر فيها قفزة واحدة؟! و الله لن ينقص ولن يزيد من حجمها بدليل المنطق والعقل والحساب و العلم شيئ ! ثم أليست الشمس بدليل نفس البراهين العلمية هي كمثابة نقطة في كلّ هذا الكون ؟ و أنّ في مجرتنا لوحدها فقط ما يزيد عن 100 مليار نجم بحجم الشمس أو أكثر ؟(9) فإذا ما هو حجم الشمس أمام 500 مليار مجرّة؟! هذا هو حال جمرة واحدة، أمّا عن التي ﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَر ُ﴾ المدثر (آية:28) فبلسان حالها تقول : ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ق (آية:30)
و لنا أن تأمّل معا كيف يقودنا علم الإعجاز إلى الإيمان بوحدانية الله و معرفة حقائق صفاته الحميدة:
إنّ الكون بأبعاده وأجرامه اللامتناهية الحساب موجود، تلك بديهية مُسلمٌ بها بل هي علم اليقين عند كل بشر، وكونه موجوداً فهذا يعني منطقيّا أن مكوناته وأبعاده تشغل حيّزاً من شيء مّا أكبر منه قادر على احتوائه، ومن ثمّ تسيره وتنظيمه، هذه حقيقة لا يختلف فيها عاقلان ! ونحن عندما نتدبر في هذه الحقيقة ندرك بمبادئ المنطق أنّ لهذا الكون خالق، ولو تدبرنا أكثر لأدركنا بعين اليقين أنّ في كل زاوية من هذا الحيّز آيات وصفات وبراهين لهذا الخالق، صفات لا تنفك أن تتجلى في ربوع وأطراف خلقه، لأنّه كما علّمتنا مبادئ الرياضيات أنّ المحتوي يضفي بعض خصائصه على المحتوَى ! فيمتاز المحتوي على المحتوَى بالشمولية والإحاطة والتنظيم والأمر والتسيير ! بينما يتميّز المحتوَى أمام المحتوي بالعجز و التبعية والخضوع !
و في نفس السياق من المنطق نرى كيف يمكن لعلم الإعجاز أن يبرز لنا صفات وقدرة الخالق سبحانه في محتوَى الكون الذي أحاط باسراره و إحتوى سبحانه - بعلمه- كل أبعاده، ولكل من يرفض نظرية الخلق في محاولة لإعطاء تفسير عن كيفية نشوء الكواكب و المجرّات نقول لهم وندعوهم بدورنا للتدبر في أسرار الكون وحجمه وعدد مجراته وفضائه البديع، وبنفس المنطق والبديهيات السابقة سيدركون حتما كيف أنّ صفات الخالق واسمائه تتجسد في كونه عيانا وجهرا لكل عاقل لبيب.
فلو تدبرنا هنيهة في تركيبة السموات والأرض وحجم الكون الرهيب ثم تمعنّا في هذه النشأة الأولى ودلائل قدرة الخالق فيها لأدركنا بعلم اليقين أن الله هو الغني المستغني بذاته عن سواه من الخلق، وكل الوجود مفتقر إليه، فلا يمكنهم نفعه سبحانه وهم في نشأتهم وفي حالة وجودهم عدم ! و هو الكريم الذي يعطي دون أن يسئل ودون مقابل ويعطي بالزيادة، ألا ترون فساحة الكون وزيادته رغم أننا نعيش في نقطة فيه فقط؟! و هو العظيم خلق كونا عظيما و أورث عباده قطرة فيه ليريهم أنه هو القوي المتين، و هو العليم يعلم موضع ذرّة في واد سحيق في أرض بحجم العدم !
وهو منزل القرآن بالحق ليخبرنا عن الحق لكن أكثر الخلق غافلون، أوهمهم إبليس فوعدهم حياة بحجم العدم ! فنسوا أنّهم راحلون و ليست الدار بدار مقام أبدا، و لو كانو يفقهون قليلا لأدركوا أنّها ليست كذلك، فلا يمكن لدار مخلّدة أن تكون بحجم العدم ! و لأدركوا أيضا أن القوة التي أوجدتنا في هذه الدار قد أعدّت ما هو خير لنا، فلا يليق بالكربم أن يكرم غيره بالبخل ! وأنّه هو الرّحمن المنعم بجلائل النعم، أنعم علينا بالحياة في أرض كانت ميتة لملايير السنين، فأحياها لنا و أحيانا لعبادته. و أنّه هو الملك المتصرف بملكه كيف يشاء، فإن شاء أذهب بالكون و من فيه و أعاده لحالته العدم من قبل الخلق و من قبل الفتق. و أنّه هو القدّوس المتعالي على كل النقائص، فالنقص فينا نحن البشر، عاجزون حتى على إدراك ما سخّره الله لنا في باطن أنفسنا و في آفاق أرضنا وفي أطراف كوننا هذا. و أنّه هو المهيمن المسيطر، سيطر بعلمه و قوته على كل شيء، فكل شيء يسير بأمره و بعلمه، و ما من نجم أضاء أو أفل إلاّ كان به عليما بصيرا حتى و إن كان من بين ملايين الميليارات من النجوم. و هو الخالق الموجد للمخلوقات، فالق الحب و النوى، فاطر السموات و الأرض، يعلم موضع و حال و حاجة خلقه من أصغر الذرّات إلى أكبر المجرات. و أنّه هو القابض، قابض الأرواح و الأرزاق، والقابض على السموات والأرض والكون. و أنّه هو الباعث ، باعث الرسل إلى الناس، باعث الموتى من القبور، باعث النور من النجوم، وباعث الحياة كلها في اي مكان يشاء. و أنّه هو المُحصي لا يغيب عنه شيء، أحصى كل شيئ عددا، عالم بالذرّة و نواتها وبالخلية و شؤونها و بالمجرّة و نجومها، أحاط بكل شيئ علما و لا نحيط بشئ من علمه إلا ما شاء. و أنّه هو المُبدئ، مبدئ الخلق من العدم، خالق الكون ب "كن"، فاتق السماوات و الأرض، خالق الوقت و الفراغ و الأجرام . وأنّه هو المُعيد، يعيد الحياة و الوجود إلى أولّ الخلق و إلى مرحلة الرتق. و أنّه هو الأول لا شيء قبله، أزلي الوجود كان ولا يزال سبحانه على ما كان عليه من قبل خلق المكان . وأنّه هو الآخر، الباقي بقاء أبديا سرمديا بعدما أن يطوي السماء كطيّ السجل للكتب. و أنّه هو الظّاهر، أظهر وجوده بآياته في أنفسنا و في آفاقنا و ما وراء كوكبنا و مجرتنا. و أنّه هو الباطن، لا يعلم أحد ذاته و يعلم ما في الأرحام و ﴿ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ سبأ (آية:2) وأنّه هو المانع ، يمنع أسباب الهلاك ويمنع ما شاء عمن شاء، فيمنع ألاف المذنبات أن تسحق أرضنا كل يوم، و يمنع عشرات الزلازل من أن تخسف بنا الأرض في كل حين. و أنّه هو البديع أوجد كل شيء لا على مثال سابق، بديع السموات و الأرض ليس كمثله شيئ. و أنه الجبّار المنفّذ لأمره دون اعتراض، فلا يمكن للبشر أن يمنعوا سكون الأرض و لا منع دورانها، و لا إشتعال الشمس و لا خمودها و لا منع توسع الكون و لا توقيف إنطوائه، و انه هو ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ﴾ طه (آية:8)
الإعجاز العلمي بين علم اليقين و عين اليقين
وهكذا فإن لله صفاة و أسماء يمكن إدراكها بالعلم والتدبر في هذا الكون وأبعاده و ماهيته وفي كلّ شيء فيه، لقد ذكر الله سبحانه مكونات الكون (من السماوات و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الكواكب) في كتابه الحكيم في أكثر من 800 آية قرآنية (10)، أي ما يعادل ثلاث مرّات سورة البقرة ! لا لشيئ و لكن ليرنا عجائب قدرته ولكي يأمرنا بالتدبر ومن ثم الإيمان والخضوع و ليخبرنا سبحانه أنّه مــا عُـــبـِد الله بشيء أفضل من العلم.
إن في الكون أسرار أعقد من خلق البشر أنفسهم بكثير، فمن أدركها كان له علم اليقين، ومن زاد عن ذلك وتدبّر تدبر الرجل العاقل الكيس كان له عين اليقين، ثم سيدرك بعدها حقيقة وجوده وغاية خلقه و وجوب عبوديته لخالقه، حتى تطهر نفسه و تزكو فتكون بذلك مؤهلة لمجاورة المولى تعالى و مجاورة الأنبياء و الشهداء والصالحين في أعلى الجنان، بعدما ينشئ الله عز وجل النشأة الآخرة و بعدما ان يرث سبحانه النشأة الأولى كما قال في سورة العنكبوت ﴿كَيْ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُواكيفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ العنكبوت (آية:19،20)،و النشأة الآخرة مرهونة بزوال النشأة الأولى كما قال سبحانه في سورة الواقعة ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ ﴾ الواقعة (آية:62)، أي أنه سبحانه يضرب لنا مثل النشأة الأولى ويطلب منا أن نتدبر فيها لتحصيل علم اليقين من تدبرنا هذا، حتى إذا تسنّى لنا ذلك بفضله ومشيئته كان لنا عين اليقين، يقين يقودنا حتما إلى الإيمان الصحيح الراسخ في القلوب المتدبرة، قلوب متدبرّة تقودنا إلى قلوب سليمة خالية من كل شائبة و مجردة من كل شك و ظن و نفاق، و قلوب سليمة في نفوس ستلاقي ربها يوم الميعاد فترى أبواب الجنّة تفتح لها فذلك هو حق اليقين. ففي كلتى الآيتين الكريمتين يأمرنا الله بالتدبر: (فَانظُرُوا) و (فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ)، أي بعد أن ندرك ونفقه الكيفية التي أنشأ الله عز وجلّ عليها الكون و مكوناته لا يرتابنا شك أبدا في وجود الدار الآخرة التي سينشؤها الله عز وجلّ بما فيها من سماوات وأرض أخرى ، ساعة أن يبدل الله عز وجلّ الأرض غير الأرض والسماء غير السماء (11) ، ومن ثم ينشئ النشأة الآخرة نشأ جديدا، كما قال في سورة إبراهيم ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسماوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ إبراهيم (آية:48)، و ينشئ سبحانه البشر نشأة أخرى كما قال في سورة الواقعة ﴿ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ الواقعة (آية:61 ).
يجب علينا أن ندرك كل ذلك و إلاّ لما إكتمل إيماننا، بل نحن مسؤلون يوم القيامة عن عدم التفكر و التدبر والإمعان في ما خلق الله لنا، كما قال عز و جل ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ الأعراف (آية:179 )، و الغفلة كما علمنا هي الإنحطاط و التدّني إلى أدنى درجة الجهل و اللامبالات و النسيان و الشرود الذهني، وعقوبتها كما هو مبين في الآية هي النار و العياذ بالله ! ثم إن بين البهائم و البشر ليس وجود أو غياب العقل فحسب و لكن تشغيل هذا العضو هي الغاية من وجوده، و إلاّ لكان من يحمل عقلا معطلا غافلا عن التفكر والتدبر كمن لا يحمل عقلا البتة !
ولما كان الإصغاء و النظر و الإمعان هي من مظاهر التدبر، والذي هو واجب بدوره ويقود صاحبه إلى العلم ثم إلى الإيمان (كما سبق تباينه ذلك في الآية من سورة الأعراف) كان الإنسان مسؤل عن تركه، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ الإسراء (آية:36 ).
و الآيات السابقة الذكر توحي لنا عن إستفهامات كثيرة وكفيلة بأن تقودنا إلى اليقين: فلماذا مثلا خلق الله عز وجل لنا كل هذه المجرات وهذا العدد الذي لا يحصى من النجوم أليس للتدبر و التمعن و من ثم الإيمان و الخضوع ؟؟ ثم لماذا خلق سبحانه لنا عقل مفكر فضّلنا به عن كثير ممن خلق ؟! أليس لتحريك العقل بالتدبر في قدرة خالق النشأة الأولى لكي يكون لنا اليقين بالنشأة الآخرة ؟! و من ثم الإيمان قطعا بالحشر و بالبعث و المآل إلى الجنة أو النار ؟! فلو لم يكن الإيمان بالله غاية و سيلتها التدبر لكانت المجموعة الشمسية الحالية تكفي للعيش في النشاة الأولى دون الآلاف من الملايير من المجرات الأخرى !!
و مثل هذه الآيات- السابقة الذكر- في القرآن كثيرة، فلا يكاد يخلو القرآن من الحث عن التدبر و التمعن في عظمة الكون و تبيان الوعد لمن تفكّر في ملكوت الله و وعيد من غفل عن ذلك التكليف ! و لا يكاد القرآن يتوقف عن تكليفنا و حثنا للتمعن و التدبر في النشأة الأولى من سموات وأرض ونجوم و مجرات وزمن وفراغ وكل شيئ لم ندركه حتى الآن، أليس في هذا التكليف غاية تحقيق الإيمان بالنشأة الآخرة من جنة نعيم ونار جحيم؟ فعجب إذا كل العجب للمكذّب بالنّشأة الآخرة وهو يرى عظمة النشأة الأولى ! وحال هذا المكذّب كحال من يدرك بعلم اليقين أنّ في الكون عددا لا يحصى من الشموس، و تراه ينقل الخبر يقينا و يسلم به تسليما كليا، ويكذب بوجود نار حارقة- في الدار الآخرة- تكون أضعاف أضعاف شمس الدنيا هذه !
أو يؤمن مثلا أن في الكون نجوم و مجرّات تبعد عن كوكبنا بآلاف السنين الشمسية ويكذّب بقول الرسول أن لجهنّم قاع مقداره 70 خريفاً !! أو يصدق يقيناً أن أقرب ثقب اسود إلينا يبعد عنا ب 5000 سنة شمسية و يكذب بقول الرسول أن بين باب وآخر من أبواب الجنة الثمانية هو مسيرة 70 عاما(12) ! أو تراه يفترض وجود مخلوقات أخرى في كواكب أخرى و يكذّب بوجود الملائكة ! أو تراه يفترض إمكانية انهيار الكون على نفسه و زواله ولكن لا يؤمن بيوم القيامة و أهواله ! فيقول هذا من يقين ناسا (NASA) وذاك من أساطير الأولين ! فهو لا يريد أن تكون لديه رؤية البصيرة وهي رؤية القلب التي هي من آثار اليقين على ما يدركه، فهذا الذي لم يقوده علم اليقين إلى عين اليقين لا يريد أن يتعلم بل تراه يدّعي أنه يعلم، وينكر على من يعلم أنه يعلم، فهو الجاهل قياسا على أبي جهل حتى و لو كان من أبرز علماء النازا نفسها!!
فالذي جاءه شيء من العلم و قاده علمه هذا إلى الإيمان يكون أحسن ممن آمن طوعا دون أن يدرك شيء من هذا العلم، فلهذا كانت درجة العلماء من المؤمنين أقرب للأنبياء من درجة العامة من الناس، وكانت درجة الأنبياء و المرسلين هي العالية مطلقا. كما أن للعلماء عند الله مكانة عظيمة على غرار العامة، ذلك أنهم يخشون الواحد القهار أكثر من غيرهم بعلمهم الذي علمهم إياه خالقهم فأدركوا بواسطته حقيقة أسمائه المقدسة و صفاته الجليلة و ما توجبه على أنفسهم من آثار العبودية ، فأثنى عليهم الله تعالى في قوله : ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ الحج (آية:54 ) وقال أيضا : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير ٌ﴾ المجادلة (آية:11 )، فهذه الآية تبين فضل الله على عباده المؤمنين وفضله بدرجات أعلى على العلماء والمتعلمين، و يبين سبحانه في الآية التي قبلها أنّ صفة العلم للعلماء قد سبقت صفة إيمانهم ، و هذا راجع أن بعض العلماء - أو ممن أوتوا العلم- قد آمنوا بعد إدراكهم لحقيقة ما أنزله الله عز وجلّ من علم في القرآن الكريم بواسطة الإعجاز،

وبالتالي استبق علم العلماء إيمانهم فوقع الإيمان في قلوبهم موقعا حسنا . ففي أغلب الأحيان يكون سبب إدراك بعض من العلماء لصحة الآيات القرآنية ورسالة محمد صلى الله عليه و سلم ناتج عن تطابق الآيات القرآنية بما توصلوا إليه في أعمالهم التجريبية و النظرية من حيثيات علميّة عن الوجود الكوني، مما يعني أن نتائج أعمالهم العلمية القطعية، التي أصبحت في خانة اليقين، برهنت على أن القرآن الكريم إنما هو كلام منزل و منزه من الله جل شأنه ولا يمكن لبشر أي كان أن يأتي بمثله أبدا، فكان كلاما معجزا في كل جوانب الحياة البشرية و علومها.
من حكمته تعالى أراد للقرآن أن يكون كتاب آخر شرائعه وحجة آخر رسله، شريعة تمتد من أول الوحي- منذ 14 قرنا - إلى آخر وجود في هذا الزمان، و لما تعددت الأمم والعصور والأحداث من أول نزول الوحي إلى آخر الزمان، تعدّدت بحكمة الخالق أوجه إعجازات القرآن. وفي ذات القرآن نفسه راح سبحانه يأمرنا أن نسير في الأرض و نتدبر أمر النشأة الأولى من السماوات و الأرض و البحار والمحيطات وأمر أنفسنا، ثم يخبرنا بحال الدنيا في آخر الزمان من أهوال لها علاقة مباشرة بمكونات الكون، فالذي يتدبر مثلا تركيبة الكون يمكنه أن يطابق معرفته بأهوال يوم القيامة و لا يرتابه شك في ميعادها و يقين حدوثها، بعكس الجاهل فهو كالأعمى يسقطه جهله في كل تراهة و في كل إنكار لقدرة الخالق و وجوده، و صدق ربنا إذ قال:﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ هود (آية:24 )
أما فيما يخص آيات الرحمان في آخر الزمان و إشارات يوم القيامة من هول و إنكدار للنجوم و انفجار للبحار و تكوير للشمس وغيرها هي آيات تثبت حقائق علمية يقينية وثابتة، بل إن في مدلولها إعجازات واضحة المعالم سنبينها في ثلاث إعجازات من ثلاث آيات متتالية من سورة التكوير:
الإعجاز الأول
نحن نعلم يقينا أن الهيدروجين هو الوحدة الأساسية في حدوث عملية الإندماج النووي في باطن الشمس، فهي تشتعل منذ 4.5 ملايير سنة بواسطة هذه العملية (13) ‏(Nuclear Fusion)،حيث تندمج في بطنها ذرتين من الهيدروجين منتجة طاقة حرارية هائلة ومخلفة ذرّة واحدة من الهيليوم الطبيعي، فالشمس عبارة عن مصنع طبيعي هائل ورهيب للطاقة الحرارية عن طريق عملية الاندماج النووي، و ستظل الشمس مشتعلة مستهلكة بذلك كل الهيدروجين الذي عليها حتى تستنفذه كليّة ومن ثمّ تنطفئ ويذهب نورها فيتقلص حجمها وتنهار كتلتها على مركزها حتى تصبح بما يعرف Supernova (14) ،ولا يملك أحدا من البشر كم تبقى لها من عمر ومتى ستنطفئ ما عدى بعض التقديرات والاحتمالات، هذه حقيقة علمية حديثة وثابتة لا غبار عليها، لكن القرآن قد سبق العقل البشري لهذه الحقيقة، حيث وعد الله جلّ وعلى قائلا : ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾، التكوير (آية:01) و "كورت" يعني إنطفئت ونكست وأذهب الله بنورها كما جاء في تفسير الطبري والقرطبي و إبن كثير و الجلالين.
الإعجاز الثاني
ظلّ قانون التجاذب العام ظاهرة محيرة لعلماء الفيزياء والرياضيات منذ أن وضعت أسس الفيزياء النيوتونية، و هو كذلك ما دام يحكم ما يزيد عن مئة ألف مليون مليار جرم سماوي، كل يسبح في مدار خاص به دون أن يلتطم أي نجم بآخر، فمن هذا الذي يمنعها من التلاطم لو ذهب قانون التجاذب العام إذا؟! فالذي وضع قانون التجاذب الفلكي الذي حال دون سقوط الأجرام و تلاطم بعضها ببعض في الفضاء الفسيح لهو قادر أن يذهب بالقانون نفسه في أي وقت يشاء، فتخرّ النجوم هاوية بأمر خالقها كما وعد عز و جل في قوله: ﴿ وَإِذَا النُّجُوم اِنْكَدَرَتْ ﴾ التكوير (آية:02) أي تساقطت وهوت، وقال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية: " وَإِذَا النُّجُوم تَنَاثَرَتْ مِنْ السَّمَاء فَتَسَاقَطَتْ, وَأَصْل الِانْكِدَار هو الِانْصِبَاب" و كذا قال القرطبي.
الإعجاز الثالث
كما قلنا أعلاه أن الشمس هي مصدر طبيعي للطاقة الحرارية من خلال اندماج نووي لذرّات الهيدروجين المكونة لها بنسبة 92.1% (15)، وللإشارة فقط فإن الإنسان لم يتمكن من تحقيقه و تكرار ما يحدث في الشمس في المخابر العلمية و لو بطريقة مصغّرة، أمّا ما يقوم الإنسان به في مركباته النووية الحديثة هو إنتاج طاقة نووية بإحداث انشطار لذرة الهيدروجين وليس بدمج ذرتين منها، والفرق بينهم شاسع : فالاندماج النووي كما هو في الشمس ينتج طاقة أكبر دون فضلات قاتلة فالهليوم ليس مضرا، أما الانشطار النووي كما في المركبات النووية البشرية ينتج طاقة أصغر بفضلات مدمرة. و في سعيهم لاستخلاص أو الحصول على الهيدروجين لغرض الوصول إلى تجارب تسهل استبدال عملية الاندماج بعملية الانشطار لاحظ علماء الطاقة النووية وجود كميات هائلة من الهيدروجين الطبيعي في البحار والمحيطات (16)، و هذا ما دفع يبعضهم للتفكير في كيفية استخراج الكميات الهائلة لاستعمالها في بعض تجارب الاندماج النووي، كما أنهم يتعجبون كيف لم تندمج هذه الذرات تلقائيا مكونة لنا بحاراً و محيطات من نار!؟ و ليتهم يعودو إلى كتاب الله فيقرؤون قوله من سورة التكوير إذ قال : ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ التكوير (آية:06) أي أُوقِدَتْ و اشتعلت ناراً كما في تفسير الجلالين حيث قال : " سُجِّرَتْ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد : أُوقِدَتْ فَصَارَتْ نَارًا"
هل يمكن لبشر، عاش في وقت التنور والخيام و الحجارة وفي صحراء يتيه فيها حتى إنسان القرن الواحد و العشرين، أن يعلم بحال البحار و المحيطات و أسرارها والكيمياء وعلومها، لولا أن يكون إلا نبيا رسولا ؟! بل كيف يمكنه صلى الله عليه و سلم أن يتكلم عن إمكانية إنطفاء الشمس دون أن يعلم تكوينها النووي والكيميائي؟! وكيف له أيضا أن يدرك قانون تجاذب الأجسام والكواكب والنجوم وهو بشر قد عاش في القرن السادس الميلادي؟؟ عاش في بيئة كان الإنسان يعتقد حينها أن الأرض ممددت و مسطحة في أطرافها سلاسل من جبال كبيرة تحمل أطراف السماء ! فيأهل الديانات الباطلة و الاعتقادات الزائفة إنّ الكون و أسراره و القرآن و إعجازه ورائكم كفيل بأن يثبت و وحدانية الخالق، و أن يثبت صدق رسالة محمد صلى الله عليه و سلّم و أن يبطل عباداتكم الضالة.
انتهى درس الفيزياء فراح الأستاذ الذي ذكرناه في مقدمة هذا البحث يضيف جوابا للسؤال، قائلا لطلاّبه: " لا تسألوني عن حجم البشر وكتلتهم أمام كتلة الأرض لكن إسألوني عن حجم الأرض ونسبتها أمام كلّ الكون ! أما علمتم أنّ كوكبنا هذا يؤول حجمه إلى العدم المحض أمام آلاف الملايير من المجرات؟! فلو إنفجرت الأرض كلّها بما فيها وتحولت إلى دخان و ذرات و غبار ورماد، ثم من باب الفضول تناقلت النجوم هذا الخبر بينها، لما تجاوز خبر إنفجارها مجرتنا هذه لدرجة تفاهته...!" (17) فأنفجر مدرج الجامعة ضاحكا مرّة أخرى، أما أنا فرحت أتلو قول العزيز الرحمن : ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ﴾ النجم (آية:59، 60،61،62)
قال عليه الصلاة و السلام : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، إني أرى مالا ترون وأسمع مالا تسمعون أطَّت السموات وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد".

الاثنين، 23 يونيو 2008

حق اليقين....!!!!!!!!!


أحبائى..


إذا كان اليقين هو الموت فحق اليقين هو القبر ومن ثم الحشر والحساب... وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم إذيقول( من مات فقد قامت قيامته )...فإنه من الواجب علينا العمل لمثل هذا اليوم ..وصدق رب العزة إذ يقول( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله )..


وإليكم قصيدة تنسب للإمام على بن أبى طال كرّم الله وجهه...

ليس الغريب غريب الشام واليمن ....


إن الغريب غريب اللحد والكفن


إن الغريب له حق لغربته ....


على المقيمين في الأوطان والسكن


لا تنهرنَّ غريبا حال غربته.....


الدهر ينهره بالذل والمحن


سفري بعيد وزادي لن يبلغني.....


وقوتي ضعفت والموت يطلبني


ولي بقايا ذنوب لست أعلمها....


الله يعلمها في السر والعلن


ما أحلم الله عني حيث أمهلني....


وقد تماديت في ذنبي ويسترني


تمرُّ ساعات أيامي بلا ندم....


ولا بكاء ولا خوفٍ ولا حَزَنِ


أنا الذي أُغلق الأبواب مجتهداً ...


على المعاصي وعين الله تنظرني


يا زلةً كُتبت في غفلة ذهبت...


يا حسرةً بقيت في القلب تُحرقني


دعني أنوح على نفسي وأندبها....


وأقطع الدهر بالتذكير والحزَنِ


دع عنك عذلي يا من كان يعذلني...


لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني


دعني أسحُّ دموعا لا انقطاع لها...


فهل عسى عبرةٌ منها تُخلصني


كأنني بين جلِّ الأهل منطرحٌ ....


على الفراش وأيديهم تُقلبني


وقد تجمَّع حولي مَن ينوح ومن....


يبكي عليَّ وينعاني ويندبني


وقد أتوا بطبيب كي يُعالجني....


ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني


واشتد نزعي وصار الموت يجذبها....


من كل عِرقٍ بلا رفق ولا هونِ


واستخرج الروح مني في تغرغرها....


وصار ريقي مريرا حين غرغرني


وقام من كان حِبَّ الناس في عجَلٍ.......


نحو المغسل يأتيني يُغسلني


وقال يا قوم نبغي غاسلا حذِقا...


حرا أديبا عارفا فطِنِ


فجاءني رجلٌ منهم فجرَّدني ....


من الثياب وأعراني وأفردني


وأودعوني على الألواح منطرحا....


وصار فوقي خرير الماء ينظفني


وأسكب الماء من فوقي وغسَّلني..


غَسلا ثلاثا ونادى القوم بالكفنِ


وألبسوني ثيابا لا كِمام لها....


وصار زادي حنوطي حين حنَّطني


وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا...


على رحيلي بلا زاد يُبلغني


وحمَّلوني على الأكتاف أربعةٌ ...


من الرجال وخلفي منْ يشيعني


وقدَّموني إلى المحراب وانصرفوا ...


خلف الإمام فصلى ثم ودعني


صلوا عليَّ صلاةً لا ركوع لها...


ولا سجود لعل الله يرحمني


وكشَّف الثوب عن وجهي لينظرني....


وأسبل الدمع من عينيه أغرقني


فقام مُحترما بالعزم مُشتملا...


وصفف اللبْن من فوقي وفارقني


وقال هُلواعليه الترب واغتنموا ....


حسن الثواب من الرحمن ذي المنن


في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا ....


أبٌ شفيق ولا أخٌ يُؤنسني


وهالني صورةٌ في العين إذ نظرت......


من هول مطلع ما قد كان أدهشني


من منكر ونكير ما أقول لهم......


قد هالني أمرهم جدا فأفزعني


وأقعدوني وجدوا في سؤالهمُ ...


ما لي سواك إلهي منْ يُخلصني


فامنن عليَّ بعفوٍ منك يا أملي....


فإنني موثقٌ بالذنب مرتَهَنِ


تقاسم الأهل مالي بعدما انصرفوا......


وصار وزري على ظهري فأثقلني


واستبدلت زوجتي بعلا لها بدلي...


وحكَّمته على الأموال والسكن


وصيَّرت ولدي عبدا ليخدمها....


وصار مالي لهم حلا بلا ثمنِ


فلا تغرنك الدنيا وزينتها.....


وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن


وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها....


هل راح منها بغير الحنظ والكفن


خذ القناعة من دنياك وارضَ بها....


لو لم يكن لك إلا راحة البدن


يا نفس كفي عن العصيان...


واكتسبي فعلا جميلا لعل الله يرحمني


يانفسُ ويحكِ توبي واعملي حسنا...


عسى تُجازين بعد الموت بالحسنِ


ثم الصلاة على المختار سيدنا ما ....


وضأ البرق في شام وفي يمن


والحمد لله ممسينا ومصبحنا ...


بالخير والعفو والإحسان والمنن..


واخيراً( دعاء )...


لا إله إلا الله الحليم الكريم .. لا اله إلا الله العلى العظيم ..لا اله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ‏اللهم إنا نسألك زيادة في الدين .. وتوبة قبل الموت .. وشهادة عند الموت.. ومغفرة بعد الموت. وعفوا عند الحساب .. ونصيبا من الجنة .. وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين ... وارزقني حسن الخاتمة يامجيب الدعوات. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. اللهم ارزقني قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة. اللهم ثبتني عند سؤال الملكين .. اللهم اجعل قبري روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النار. اللهم اني اعوذ بك من فتن الدنيا .. اللهم ارحم ابائنا وامهاتنا واغفر لهما وتجاوز عن سيئاتهما وادخلهم فسيح جناتك. والحقنا بهما يا رب العالمين في جنتك جنة الفردوس الأعلى ..


وبارك اللهم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .